جولة ثانية من محادثات أبو ظبي: موسكو تصعد عسكرياً وتتصلّب تفاوضياً
أثمرت جولة المفاوضات الأحدث في أبوظبي تبادلاً للأسرى واستئنافاً لنظام الاتصال العسكري الأميركي - الروسي المباشر، بينما ظلّت ملفات تبادل الأراضي والضمانات الأمنية، عالقة، وذلك وسط تصعيد عسكري روسي على الجبهة وضدّ شبكات الطاقة في المدن الأوكرانية.


لندن | اختُتمت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، الخميس الماضي، جولة ثانية من المفاوضات الثلاثية المباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، استمرّت يومين. وأفضت هذه المحادثات إلى نتائج ملموسة على الصعيدَين الإنساني والعسكري، تمثّلت في تنفيذ صفقة لتبادل مئات الأسرى، والاتفاق على استئناف قنوات الاتصال العسكري الرفيعة بين واشنطن وموسكو. غير أن الملفات السياسية، وعلى رأسها مستقبل إقليم دونباس، بقيت خاضعة لنقاشات مستفيضة ومواقف متباينة، بالتزامن مع تصعيد روسي واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
وشهدت طاولة المفاوضات حضوراً دبلوماسياً وأمنياً رفيع المستوى؛ إذ ترأس الوفدَ الأوكراني وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي رستم عمروف، إلى جانب رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي، كيريلو بودانوف، فيما ضمّ الوفد الروسي قيادات رفيعة من الاستخبارات العسكرية. أما الجانب الأميركي، فمثّله المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
وتمخضّت هذه الجولة عن اتفاق الطرفين، الروسي والأوكراني، على تبادل 314 أسير حرب، في أول عملية من نوعها منذ خمسة أشهر. وفيما وصف ويتكوف المحادثات بأنها «مفصّلة ومثمرة»، معتبراً أن تبادل الأسرى يعكس قدرة المسار الدبلوماسي على تحقيق نتائج عملية، اتفقت الأطراف الثلاثة على مواصلة الحوار عبر مجموعات عمل فنية، وذلك وسط توقعات بعقد جولة جديدة في مدينة ميامي الأميركية منتصف شباط الجاري.
وبالفعل، باشر الطرفان تنفيذ الاتفاق فوراً، حيث أظهرت مقاطع مصوّرة استقبال عائلات أوكرانية لذويها العائدين في منطقة تشيرنيهيف، في ما يؤشّر إلى استمرار فاعلية المسار الدبلوماسي في معالجة الملفات الإنسانية رغم ضراوة المعارك. وفي تطور لافت من شأنه تعزيز آليات خفض التصعيد أيضاً، أعلنت «قيادة الجيش الأميركي في أوروبا» (EUCOM) اتفاق الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على استئناف الحوار العسكري الرفيع المستوى.
وأكّد البيان الأميركي أن هذه القناة ستوفّر «اتصالاً عسكرياً ثابتاً» بين الجانبين، بالتوازي مع استمرار العمل للتوصل إلى تسوية «سلام دائم». ويأتي هذا الإجراء ليعيد الحرارة إلى خطوط الاتصال التي توقفت عام 2021، مما يتيح للجنرال كريستوفر كافولي (القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا) التواصل المباشر مع رئيس الأركان العامة الروسي فاليري غيراسيموف، ذلك لضمان أمن العمليات وتجنب الاحتكاكات غير المقصودة، خاصة بعد حوادث اختراق طائرات مسيرة لأجواء دول الناتو مؤخراً.
مع ذلك، ورغم التقدّم في الملفات الفنية، لا تزال قضايا السيادة على الأراضي والترتيبات الأمنية المستقبلية محور الخلاف الرئيس. إذ تتمسّك موسكو بمطالبها الرامية إلى السيطرة الكاملة على إقليم دونباس الشرقي، وتطالب باعتراف دولي بذلك، بالإضافة إلى رفضها القاطع لأي ضمانات أمنية تتيح وجوداً عسكرياً غربياً على الأراضي الأوكرانية أو انضمام كييف إلى حلف «الناتو». وفي تصريحاتٍ تزامنت مع المفاوضات، عبّر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن إصرار بلاده على تحقيق هذه الأهداف، واصفاً الضمانات الأمنية التي تناقشها واشنطن مع كييف بأنها تتطلّب «حلولاً جذرية» لملف التسوية النهائية. كما أبدى استعداد روسيا للتعايش مع أوكرانيا «محايدة وصديقة»، شرط استمرار السيطرة الروسية على المناطق المس تهدفة.
يشهد محور زاباروجيا ضغطاً عسكرياً روسياً متزايداً
في المقابل، تواصل كييف، مدعومة بخطة السلام الأميركية المكوّنة من 20 نقطة، طرحَ صيغ بديلة تتضمن إنشاء مناطق اقتصادية حرة ومنزوعة السلاح في دونباس، كما وتطالب بضمانات أمنية أميركية قوية لردع أي هجوم مستقبلي. وفي هذا السياق، أكد زيلينسكي أن موقف بلاده ثابت بخصوص دونباس، لكنه شدد على ضرورة التحلي بالواقعية والمرونة لإنهاء الحرب، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية.
وتزامنت المفاوضات مع تصعيد عسكري روسي غير مسبوق استهدف شبكة الطاقة الأوكرانية. ففي الساعات التي سبقت انطلاق محادثات أبو ظبي، شنت القوات الروسية هجوماً واسعاً باستخدام 450 طائرة مسيرة و71 صاروخاً، مستهدفةً محطّات توليد الكهرباء والتدفئة في ستّ مقاطعات أوكرانية، مما تسبّب في انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن ملايين السكان في ظلّ درجات حرارة شديدة الانخفاض. وقال زيلينسكي إن هذا القصف يعدّ «الأعنف» منذ عيد الميلاد عام 2024، متهماً موسكو بأنها استغلّت «الهدنة المؤقتة» التي أعلنها ترامب سابقاً لـ«تخزين الصواريخ وتوجيه ضربة قاسية» في أبرد أيام السنة. وأدى هذا القصف إلى خروج وحدات في محطّات نووية عن الخدمة كإجراء احترازي، ممّا أجبر أوكرانيا على طلب إمدادات كهربائية طارئة من بولندا ورومانيا وسلوفاكيا للحفاظ على استقرار الشبكة.
في سياق متصل، يشهد محور جنوب شرقي أوكرانيا، وتحديداً في منطقة زاباروجيا، ضغطاً عسكرياً روسياً متزايداً. إذ أفادت تقارير ميدانية بتقدم القوات الروسية نحو بلدة «هوليايبولي» الاستراتيجية، وذلك باستغلال نقص القوى البشرية والذخيرة لدى القوات الأوكرانية. وذكر قادة ميدانيون أوكرانيون أن الدفاعات في هذا المحور تواجه تحديات كبيرة بسبب اتساع الجبهة التي تمتد لنحو 700 ميل، مما يضطر القيادة إلى نقل فرق الطوارىء العسكرية من جبهة إلى أخرى لسد الثغرات. ويأتي التطور المذكور فيما تشير تحليلات خبراء إلى سيطرة روسيا على مساحات إضافية في زاباروجيا - خلال الشهرين الماضيين -، في محاولة لتعزيز أوراقها التفاوضية قبل أي تسوية سياسية محتملة.
وفي تطور تقني ذي أبعاد عسكرية، تحدثت الصحف عن استجابة شركة «سبيس إكس» (SpaceX) المملوكة للملياردير الأميركي، إيلون ماسك، لطلب الحكومة الأوكرانية بشأن تفعيل إجراءات تقنية تحصر عمل المحطات داخل أوكرانيا بالأجهزة المسجلة رسمياً ضمن «القائمة البيضاء» لدى وزارة الدفاع الأوكرانية.
وأكد وزير التحول الرقمي الأوكراني، ميخايلو فيدوروف، نجاح هذه الإجراءات، مشيراً إلى فرض قيود إضافية تحدد سرعة الاتصال عند تحرك الأجهزة بسرعات تفوق 75 كيلومتراً في الساعة، وذلك لتعطيل استخدامها من قبل الجيش الروسي لتوجيه الصواريخ أو المسيرات بعيدة المدى. وإذ أفاد مدونون عسكريون روس بارزون بانقطاع خدمة الإنترنت الفضائي عن وحداتهم في الخطوط الأمامية، ممّا أثر على قدراتهم في التواصل وتوجيه الطائرات المسيرة، فإن هذا الإجراء يعدّ انتصاراً تكنولوجياً لكييف يعيد إليها التفوق النسبي في مجال الاتصالات الآمنة على الجبهة.
ومع دخول الحرب عامها الخامس، وتفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة انقطاع الخدمات الأساسية، تظهر استطلاعات الرأي تحولاً في المزاج الشعبي الأوكراني. إذ أشار أحدث استطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن نسبة الأوكرانيين المستعدين لقبول تسويات إقليمية مقابل السلام الدائم والضمانات الأمنية قد ارتفعت لتصل إلى 40%، مقارنةً بنسب أقلّ بكثير في بداية الحرب. ويعكس هذا التحول تزايد القناعة لدى قطاع من الشارع الأوكراني بضرورة تقديم تضحيات «مؤلمة» لإنقاذ ما تبقى من البلاد وضمان مستقبل مستقر للأجيال القادمة، شريطة الحصول على حماية دولية صارمة تمنع تكرار الحرب.
وفي هذا الوقت، تتّجه الأنظار صوب الجولات القادمة، التي تسعى من خلالها إدارة ترامب للوصول إلى تسوية نهائية بحلول شهر حزيران المقبل، وفقاً لتصريحات نُقلت عن زيلينسكي. ومن المنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة حراكاً ديبلوماسياً مكثفاً لترجمة التفاهمات الأولية إلى نصوص مكتوبة، ومحاولة جسر الهوة العميقة بين المطالب الروسية والثوابت الأوكرانية، وذلك في سباق مع الزمن ومع قسوة الشتاء الذي يلقي بثقله على ساحات القتال.
